علي قاسم – كاتب وإعلامي عراقي
في لحظة تبدو للوهلة الأولى وكأنها انتصار دبلوماسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكشف القراءة العميقة لمسار الأحداث عن مشهد مغاير تماماً حيث تشير التقديرات إلى أن قرار وقف الحرب لم يكن نتاج تحقيق الأهداف المعلنة بقدر ما كان استجابة لضغط ميداني واستراتيجي متراكم فرضته إيران عبر أدوات متعددة عسكرية واقتصادية وجيوسياسية
فالإدارة الأمريكية التي دخلت المواجهة تحت عناوين كبرى تبدأ بتغيير النظام في إيران وتمر بإنهاء قدراتها العسكرية ولا تنتهي عند تصفير ملفها النووي وجدت نفسها أمام واقع مغاير تماماً حيث لم يتحقق أي من هذه الأهداف لا تغيير في بنية النظام السياسي الإيراني ولا تراجع في قدراته العسكرية ولا إنهاء لبرنامجه النووي ولا تفكك لبمحور المقاومة بل على العكس أظهرت مجريات الصراع قدرة هذا المحور على التماسك والتكيف وتوسيع نطاق الضغط.
وبينما حاول الخطاب الأمريكي تسويق وقف الحرب بوصفه خطوة تكتيكية مدروسة تعكس قوة القرار فإن المؤشرات الاستراتيجية تعكس حالة من الانكفاء القسري حيث تعرضت البنية العسكرية الأمريكية في المنطقة إلى استنزاف غير مسبوق سواء عبر استهداف القواعد أو تعطيل منظومات الردع الأمر الذي حد من القدرة على الاستمرار في التصعيد دون كلفة متزايدة.
تشير التحليلات إلى أن أحد أبرز أوجه هذا التحول يتمثل في ما جرى في مضيق هرمز حيث لم يعد هذا الممر الحيوي يعمل وفق الإرادة الأمريكية المنفردة بل أصبح جزءاً من معادلة توازن جديدة تقوم على التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية وهو ما يعكس انتقال مركز التحكم من القوة البحرية الأمريكية إلى نموذج إقليمي تفرضه معادلات الردع الجديدة.
كما أن أحد أكثر المؤشرات دلالة يتمثل في القبول بإنهاء العمليات العسكرية مع قوى محور المقاومة وهو ما يعكس عملياً اعترافاً بفشل استراتيجية التفكيك والاحتواء التي سعت إليها واشنطن لعقود حيث لم تعد هذه القوى مجرد أطراف منفصلة بل تحولت إلى شبكة عمليات مترابطة قادرة على فرض كلفة مستمرة ومتعددة الجبهات.
وفي السياق ذاته فإن الحديث عن تعويضات لصالح إيران يكشف عن تحول عميق في ميزان القوة إذ لم تعد الحرب مجرد أداة ضغط أمريكية بل تحولت إلى عبء استراتيجي يفرض إعادة توزيع الخسائر بما يخدم الطرف الأكثر قدرة على الصمود وهو ما تؤكده تقارير بحثية تشير إلى أن الاقتصاد الإيراني رغم العقوبات استطاع امتصاص الصدمات بشكل أفضل من التوقعات.
أما على مستوى الحلفاء الإقليميين وعلى رأسهم إسرائيل فإن نتائج المواجهة كشفت هشاشة غير مسبوقة في منظومات الردع أمام حرب متعددة الجبهات وهو ما أدى إلى تآكل الثقة بالضمانات الأمريكية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة الحسابات الاستراتيجية في المنطقة.
أن قرار دونالد ترامب بوقف الحرب رغم عدم تحقيق أي من الأهداف المعلنة يعكس إدراكاً متأخراً لحجم الكلفة التي باتت تتجاوز القدرة على التحمل سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو حتى السياسي داخلياً حيث لم يعد استمرار الحرب يحقق مكاسب بل يهدد بتوسيع دائرة الخسائر.

