المالكي المرشح الأوحد لرئاسة الوزراء!

ناجي الغزي – كاتب وسياسي

ما يجري في بغداد اليوم لا يمكن قراءته بوصفه أزمة تشكيل حكومة عابرة، بل هو لحظة كاشفة لبنية النظام السياسي نفسه. لحظة يتعرّى فيها الدستور من نصّه الجامد ليظهر كأداة صراع مفتوح، بدلاً أن يكون إطاراً مرناً لإدارة التوازنات، وضبطها وتوجيهها بما ينسجم مع تعقيدات الواقع السياسي ويضمن استقراره.

في ظاهر المشهد، تبدو الأزمة مرتبطة بانتخاب رئيس الجمهورية، ذلك الاستحقاق الذي يفترض أن يكون خطوة إجرائية ضمن تسلسل دستوري واضح. لكن في العمق، تحوّلت هذه الخطوة إلى عقدة مركزية، لأن نتائجها لم تعد محصورة بمنصب بروتوكولي، بل تمتد مباشرة إلى سؤال السلطة التنفيذية: من هو رئيس الوزراء القادم؟

هنا تحديداً يتقدّم اسم السيد “نوري المالكي” كمرشح لا يمكن القفز عليه، لا بسبب إجماع سياسي حوله وحسب، بل بسبب الانقسام الحاد الذي يثيره. فهو المرشح الذي يمتلك، بشكلٍ متناقض، عناصر القوة وعوامل التعطيل في آنٍ واحد.

المعادلة التي تحكم اللحظة الراهنة معقّدة إلى حد التناقض: الكتل التي تمتلك القدرة على تعطيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، هي نفسها التي قد تفتح الطريق إن حضرت أمام تكليف السيد المالكي. وهذا ما يفسّر حالة التردد والارتباك داخل ما يُعرف بـ”الثلث المعطّل”، حيث يتحوّل التعطيل من أداة ضغط إلى قيد ذاتي يمنع أصحابه من الحسم.

رئاسة الجمهورية بوابة الصراع

في قلب هذا المشهد، يبرز الصراع الكردي – الكردي كواجهة للأزمة، لكنّه في الحقيقة ليس سوى انعكاس لصراع أعمق داخل البيت الشيعي. فالتنافس بين مرشحي رئاسة الجمهورية، سواء كان لصالح الاتحاد الوطني أو الحزب الديمقراطي، لم يعد صراع تمثيل قومي بقدر ما أصبح جزءاً من لعبة توازنات تُدار داخل الإطار التنسيقي نفسه.

ذلك الإطار الذي يبدو من الخارج كتلة صلبة، لكنه يعيش في داخله انقساماً حقيقياً: جناح يرى في المالكي خياراً طبيعياً بل وحتمياً في مرحلة حرجة تحتاج الى رجل بهذا الوزن الثقيل، وجناح آخر يتعامل معه كخيار عالي الكلفة، داخلياً وخارجياً، وربما يهدد مصالح البعض ويقيد من نفوذهم السياسي. هذا الانقسام هو الذي يفسّر حالة “الشلل الدستوري المتعمّد” فلا الجلسة تُعقد، ولا البديل يُطرح، وكأن الجميع ينتظر لحظة ترجيح قسرية تأتي من داخل التوازنات نفسها.

اللافت في هذه اللحظة أن العامل الخارجي، الذي كان تاريخياً مؤثراً في تشكيل الحكومات العراقية، يبدو أقل حضوراً من السابق، بسبب تعقيدات الحالة الإقليمية والدولية. فالتلويح بتغريدة ترامب أو الموقف الأمريكي عموماً، لم يعد يملك القدرة الحاسمة على فرض أو منع خيار بعينه، بل تحوّل إلى عنصر ضغط ثانوي يُستخدم من قبل المعترضين في الخطاب السياسي أكثر مما يُستخدم في صناعة القرار.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: القوى التي تعارض المالكي تخشى أن يؤدي حضورها جلسة انتخاب رئيس الجمهورية إلى فرضه دستورياً، لكنها في الوقت نفسه لا تمتلك بديلاً قادراً على حشد الأغلبية. أما القوى التي تدعمه، فهي تمتلك القدرة على تمرير حكومته لاحقاً، لكنها لا تستطيع وحدها كسر نصاب الجلسة دون خصومها. إنها لعبة توازنات دقيقة، حيث يتحول كل طرف إلى أسير لخياراته: الحضور يعني المجازفة، والمقاطعة تعني استمرار الشلل.

وفي هذا السياق، لا يعود السؤال: من يعطّل انتخاب رئيس الجمهورية؟ بل: من يخشى نتائج انتخابه؟ الإجابة تقودنا مباشرة إلى جوهر الأزمة، ليس الخلاف الكردي – الكردي هو العامل الحاسم، بل الخلاف الشيعي – الشيعي، لأنه هو الذي يحدد اتجاه السلطة التنفيذية، وهو الذي يجعل من كل استحقاق دستوري ساحة اختبار لإعادة توزيع النفوذ داخل البيت الواحد.

وعليه، فإن الحديث عن “المالكي كمرشح أوحد” لا يعني بالضرورة أنه خيار متفق عليه، بل يعني أنه الخيار الذي فشل الجميع في تجاوزه حتى الآن. وهو نقطة التقاء اضطرارية، أكثر منه نقطة إجماع.
قد تبدو هذه اللحظة للبعض كجمود سياسي، لكنها في الحقيقة مرحلة فرز عميق داخل النظام:
إما أن يُحسم القرار داخل الإطار التنسيقي لصالح المالكي بشكل واضح، فتُفتح أبواب التسوية،
أو يُدفع باتجاه بديل توافقي يعيد ترتيب المشهد، وإلا فإن الشلل سيبقى هو القاعدة، لا الاستثناء.
في النهاية، ليست الأزمة في انتخاب رئيس الجمهورية، ولا حتى في تسمية رئيس الوزراء، بل في غياب إرادة سياسية قادرة على تحويل الأغلبية العددية إلى قرار سياسي مستقر.
وهنا تحديداً، تتجلى أزمة النظام لا كخلل عابر، بل كمعضلة بنيوية لم تُحل منذ تأسيسه.

جلسة السبت والسيناريوهات المتوقعة

السؤال المهم: هل تشهد جلسة يوم السبت القادم حسم مرشح رئيس الجمهورية؟ والسؤال هنا ليس تقنياً بقدر ما هو سياسي بامتياز، فجلسة السبت لا تُحسم داخل قاعة البرلمان بقدر ما تُحسم قبلها في غرف التفاهمات المغلقة. وإذا نظرنا إلى ميزان القوى الحالي، فهناك ثلاثة سيناريوهات واقعية:

أولاً: انعقاد الجلسة مع اكتمال نصاب الثلثين وحسم رئيس الجمهورية: هذا السيناريو يتطلب قراراً واضحاً من القوى المترددة، خصوصاً داخل الإطار التنسيقي وبعض الحلفاء الكرد، بالمضي نحو الحسم. لكن المشكلة أن هذا الحسم لا يتعلق فقط بمنصب الرئيس، بل يفتح مباشرة باب تكليف رئيس الوزراء، وهو ما يعيدنا إلى بوابة “نوري المالكي”. لذلك، أي طرف يخشى نتائج التكليف سيبقى متردداً في توفير النصاب، حتى لو كان قادراً على ذلك.

ثانياً: انعقاد الجلسة دون الوصول إلى نتيجة (حضور جزئي أو تصويت غير حاسم): قد تُعقد الجلسة بنصاب هش أو بصفقات غير مكتملة، فتُجرى الجولة الأولى دون أن يحصل أي مرشح على ثلثي الأصوات، ثم تتعطل الجولة الثانية أو تُرحّل. هذا السيناريو يُستخدم أحياناً كجس نبض أو لشراء الوقت، لكنه لا يحل الأزمة بل يعمّقها.

ثالثاً: كسر النصاب وتعطيل الجلسة: وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً حتى الآن.
السبب بسيط، أن القوى التي تمتلك القدرة على إكمال النصاب هي نفسها التي تخشى مآلاته.
بمعنى آخر، التعطيل هنا ليس عجزاً، بل خيار محسوب لتفادي الذهاب إلى لحظة إلزام دستوري لا يمكن التراجع عنها.

أين تميل الكفة؟

حتى هذه اللحظة، المؤشرات تقول إننا أمام تعطيل مقصود أكثر من كونه فشلاً تنظيمياً.
فالخلاف الحقيقي ليس كردياً – كردياً حول منصب الرئاسة، بل شيعياً – شيعياً حول ما بعد الرئاسة: من يحكم؟ إذا حصل توافق داخلي داخل الإطار التنسيقي على اسم رئيس الوزراء (سواء السيد المالكي أو بديل عنه)، عندها سترى النصاب يكتمل بسرعة، وربما تُحسم الجلسة خلال ساعات. أما إذا بقي الانقسام قائماً، فسيبقى “الثلث المعطل” هو الأداة الأنجع لتجميد المشهد.

ولذلك تعد جلسة السبت ليست اختباراً للأرقام، بل اختبار للإرادة السياسية إن وُجد قرار بالحسم، النصاب سيتحقق والرئاسة تُحسم. وإن استمر التردد، سيُكسر النصاب وتُرحّل الأزمة. وبناءً على المعطيات الحالية، الاحتمال الأقرب هو: عدم اكتمال النصاب أو تعطيله عمداً، ما لم يحدث اتفاق مفاجئ في اللحظات الأخيرة.