بغداد – شبكة إنماز نيوز
تتصاعد حدة الخطاب السياسي في العراق مع استمرار تأخر حسم ملف رئاسة الوزراء، وسط تبادل رسائل علنية بين قوى الإطار التنسيقي وحلفائه. تصريحات متباينة تعكس مشهداً مرتبكاً: طرف يتمسك بمرشح “أوحد”، وآخر يلقي المسؤولية على قيادات بارزة، فيما يذهب محللون إلى إعلان دخول البلاد مرحلة “الانسداد السياسي”. هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف وجهات نظر، بل يكشف عن صراع نفوذ داخل البيت السياسي الشيعي، قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة ويحدد طبيعة الحكومة القادمة.
في ظهوره التلفزيوني، حاول النائب السابق وعضو ائتلاف الإعمار والتنمية حسين حبيب تثبيت معادلة واضحة: محمد شياع السوداني هو “المرشح الأوحد” لرئاسة الوزراء. هذا الطرح لا يكتفي بتأكيد الدعم، بل يتجاوز ذلك إلى تقديمه كخيار شبه محسوم داخل الإطار التنسيقي، مستنداً إلى ما وصفه بـ”أغلبية” من القادة والنواب.
حبيب لم يخفِ أيضاً وجود مراجعات داخلية، مشيراً إلى أن بعض الأطراف “تندمت” على عدم انتخاب السوداني سابقاً، في محاولة لإعادة تسويق الرجل بوصفه خياراً مجرّباً كان يمكن أن يختصر الطريق على القوى السياسية. هذه اللغة تعكس سعياً لإعادة ترتيب الصفوف وتضييق مساحة المناورة أمام المنافسين.
في المقابل، حملت تصريحاته تحذيراً مبطناً من استمرار الخلافات، إذ اعتبر أن خرق المدد الدستورية يبعث “رسالة غير إيجابية”، رغم إقراره بعدم وجود جزاء قانوني على ذلك. هذه المفارقة تفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى جدية الالتزام بالسياقات الدستورية مقابل إدارة الأزمة سياسياً.
حديث حبيب عن طرح سابق لانتخاب رئيس الوزراء عبر “نواب الشيعة” يعيد النقاش إلى نقطة حساسة تتعلق بطبيعة النظام السياسي في العراق. فبدلاً من التوافق الوطني الواسع، يبدو أن بعض القوى تميل إلى حصر القرار داخل مكوّن محدد، وهو ما قد يعمّق الانقسام السياسي ويضعف مفهوم الشراكة.
كما شدد على أن المرحلة المقبلة “لا تتحمل مرشح تسوية”، في إشارة إلى رفض الحلول الوسط التي غالباً ما كانت تُستخدم لتجاوز الأزمات. هذا الطرح يعكس انتقالاً من سياسة التوافق إلى سياسة الحسم، حتى لو كان ذلك على حساب التوازنات التقليدية.
على الضفة الأخرى، جاءت تصريحات النائب عن كتلة بدر قصي عباس لتضع الكرة بشكل مباشر في ملعب كل من نوري المالكي ومحمد شياع السوداني. هذا الموقف يعكس تحولاً من الدعم غير المشروط إلى تحميل القيادات مسؤولية التأخير في حسم ملف رئاسة الوزراء.
عباس أكد أن مواقف كتلته “واضحة وصريحة”، لكنه لم يحدد بشكل مباشر مرشحاً بديلاً، مكتفياً بالإشارة إلى أن استمرار الخلاف بين المالكي والسوداني هو السبب الرئيس في تعطيل العملية السياسية. هذه اللغة توحي بأن الأزمة لم تعد مجرد خلاف على الأسماء، بل صراع إرادات داخل الإطار نفسه.
وفي ما يتعلق بالعامل الخارجي، نفى وجود موقف أمريكي رسمي معارض للسوداني، في محاولة لنزع أحد أبرز العوامل التي تُستخدم عادة في تفسير التعقيدات السياسية العراقية. كما أشار إلى أن خيار التمديد لحكومة السوداني “غير مطروح”، ما يعني أن القوى السياسية تدرك ضيق الوقت، لكنها لم تصل بعد إلى توافق نهائي.
من بين النقاط اللافتة في حديث عباس، الإشارة إلى إمكانية أن يمنح البرلمان حكومة السوداني “بعض الصلاحيات”. هذا الطرح يفتح الباب أمام سيناريوهات انتقالية قد تُستخدم لتفادي الفراغ السياسي، لكنه في الوقت نفسه يعكس حالة من إدارة الأزمة بدلاً من حلها جذرياً.
فمنح صلاحيات إضافية لحكومة قائمة دون حسم ملف رئاسة الوزراء قد يؤدي إلى إطالة أمد الوضع الحالي، وهو ما قد يفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي ويؤثر على الأداء التنفيذي للدولة.
في قراءة أكثر تشاؤماً، أعلن رئيس مؤسسة الكلمة للحوار والتنمية مهدي خزعل أن العراق دخل فعلياً مرحلة “الانسداد السياسي”. هذا التوصيف يعكس قناعة بأن الخلافات الحالية تجاوزت حدود التنافس الطبيعي، لتصل إلى مرحلة تعطل فيها آليات اتخاذ القرار.
خزعل ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن حظوظ كل من المالكي والسوداني في رئاسة الوزراء “انتهت”، وهو طرح يتناقض بشكل مباشر مع تصريحات حبيب. كما أشار إلى بروز أسماء أخرى، مثل باسم البدري الذي قال إنه حصل على أصوات لم ينلها أي مرشح آخر، في محاولة لإعادة رسم خريطة المنافسة.
وفي السياق ذاته، تحدث عن اعتقاد حيدر العبادي بامتلاكه فرصة للترشيح، لكنه أشار إلى أن رأي الحشد الشعبي لم يكن لصالحه، ما يعكس استمرار تأثير القوى الأمنية والسياسية في تحديد مسار العملية السياسية. كما لفت إلى ترشيح هادي العامري، ما يعزز فكرة تعدد الأقطاب داخل الإطار.
المشهد الذي ترسمه هذه التصريحات يكشف عن مفارقة واضحة: في الوقت الذي يؤكد فيه بعض الأطراف وجود “مرشح أوحد”، تتحدث أطراف أخرى عن تعدد المرشحين وانتهاء حظوظ الأسماء المطروحة. هذا التناقض لا يعكس فقط اختلاف التقديرات، بل يشير إلى غياب قرار موحد داخل القوى السياسية.
بين خطاب الحسم الذي يتبناه البعض، وتشخيص الانسداد الذي يطرحه آخرون، يقف العراق أمام لحظة مفصلية في مسار تشكيل حكومته. استمرار الخلافات قد يدفع نحو حلول مؤقتة أو إجراءات استثنائية، لكن غياب التوافق الحقيقي يظل التحدي الأكبر. وفي ظل هذه المعادلة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتجه القوى السياسية نحو فرض مرشح بعينه، أم أن الضغوط ستقود في النهاية إلى إعادة إنتاج “مرشح تسوية” بشكل جديد؟

