أمية جبارة.. «أم الأسود» التي هزمت الإرهاب وكتبت بدمها ملحمة عراقية خالدة

خاص – شبكة إنماز نيوز

في تاريخ الشعوب محطات مضيئة يصنعها أشخاص عاديون يتحولون في لحظات مصيرية إلى رموز وطنية خالدة. ومن بين تلك الأسماء التي رسخت حضورها في الذاكرة العراقية تبرز الشهيدة أمية جبارة، المرأة التي لم تكتفِ بمواجهة الإرهاب بالكلمة أو الموقف، بل حملت السلاح دفاعاً عن أرضها وأهلها، لتصبح واحدة من أبرز رموز الشجاعة والتضحية في العراق الحديث.

ولدت أمية جبارة في محافظة صلاح الدين، وتحديداً في منطقة العلم القريبة من مدينة تكريت، في بيئة عشائرية محافظة عُرفت بتمسكها بالقيم الوطنية والاجتماعية الأصيلة. ومع اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لعدد من المدن العراقية عام 2014، وجدت نفسها أمام واقع خطير يهدد حياة السكان ومستقبل البلاد، فاختارت طريق المقاومة بدلاً من الاستسلام أو الهروب.

في الوقت الذي كانت فيه الكثير من العائلات تبحث عن ملاذ آمن بعيداً عن نيران الحرب، قررت أمية جبارة أن تبقى في أرضها، وأن تكون جزءاً من معركة الدفاع عن العراق. لم يكن قرارها سهلاً، خصوصاً في مجتمع اعتاد أن يكون الرجال في مقدمة المواجهات المسلحة، لكنها كسرت الصور النمطية وأثبتت أن الوطنية لا ترتبط بجنس أو عمر، وإنما بالإرادة والإيمان بالقضية.

سرعان ما تحولت أمية إلى عنصر فاعل في مقاومة تنظيم داعش، حيث شاركت في دعم القوات الأمنية وأبناء العشائر الذين وقفوا بوجه التنظيم المتطرف. وقد اشتهرت بدورها في جمع المعلومات عن تحركات الإرهابيين ونقلها إلى القوات المقاتلة، الأمر الذي أسهم في إحباط العديد من مخططات التنظيم وكشف أوكاره.

وكانت شجاعتها الاستثنائية سبباً في أن يطلق عليها أبناء منطقتها لقب “أم الأسود”، تقديراً لمواقفها الجريئة وإصرارها على الوقوف في الخطوط الأمامية للمواجهة. فقد عُرفت بأنها لم تتردد في حمل السلاح عندما اقتضت الحاجة، وظلت تمثل نموذجاً للمرأة العراقية التي تجمع بين القوة والإيمان والانتماء الوطني.

ومع تصاعد العمليات العسكرية ضد داعش، أصبحت أمية جبارة هدفاً مباشراً للتنظيم الإرهابي الذي رأى فيها رمزاً للمقاومة الشعبية الرافضة لوجوده. وتعرضت لتهديدات متكررة بسبب نشاطها ومواقفها الوطنية، لكنها رفضت الرضوخ أو التراجع، مؤكدة أن الدفاع عن العراق واجب لا يمكن التخلي عنه مهما كانت التضحيات.

وفي عام 2014 ارتقت أمية جبارة شهيدة بعد أن استهدفتها عناصر داعش الإرهابية خلال إحدى المواجهات في منطقة العلم. وبرحيلها خسر العراق امرأة استثنائية جسدت معاني البطولة بأبهى صورها، إلا أن استشهادها لم يكن نهاية قصتها، بل بداية لتحولها إلى رمز وطني تتناقله الأجيال بوصفها مثالاً للشجاعة والصمود.

أثار نبأ استشهادها موجة واسعة من الحزن والفخر في آن واحد، حيث أشاد مسؤولون وشيوخ عشائر ومواطنون بدورها البطولي في مواجهة الإرهاب. كما أصبحت سيرتها حاضرة في العديد من المناسبات الوطنية التي تستذكر تضحيات العراقيين خلال الحرب ضد تنظيم داعش، باعتبارها واحدة من الشخصيات التي تركت أثراً عميقاً في مسيرة مقاومة الإرهاب.

وتكمن أهمية تجربة أمية جبارة في أنها قدمت نموذجاً مختلفاً للمرأة العراقية، نموذجاً يتجاوز الأدوار التقليدية ليؤكد قدرة المرأة على المشاركة الفاعلة في الدفاع عن الوطن وصناعة الأحداث التاريخية. فقد أثبتت أن المرأة ليست مجرد شاهدة على التحولات الكبرى، بل يمكن أن تكون صانعة لها وشريكاً أساسياً في رسم ملامح المستقبل.

اليوم، وبعد سنوات على استشهادها، ما زال اسم أمية جبارة حاضراً بقوة في الوجدان العراقي. فقصتها ليست مجرد حكاية عن امرأة حملت السلاح، وإنما قصة وطن واجه واحدة من أخطر التحديات في تاريخه الحديث، ووجد في أبنائه وبناته نماذج استثنائية للتضحية والفداء.

لقد كتبت أمية جبارة بدمها فصلاً مضيئاً في سجل البطولة العراقية، وأثبتت أن مواجهة الإرهاب لا تحتاج إلى قوة السلاح وحدها، بل إلى قوة الإرادة والإيمان بالوطن. وستبقى ذكراها شاهدة على أن العراق أنجب نساءً وقفن جنباً إلى جنب مع الرجال في معركة الدفاع عن الأرض والكرامة، لتظل “أم الأسود” رمزاً خالداً للشجاعة والتضحية في ذاكرة العراقيين.