علي قاسم – كاتب سياسي عراقي
لم يكن أكثر ما لفت انتباه المراقبين في السنوات الأخيرة هو عدد الحروب التي اندلعت في غرب آسيا. وإنما الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة معها. فالدولة التي اعتادت لعقود أن تتصدر كل أزمة عسكرية بقواتها وقواعدها وتحالفاتها. بدأت ترسل إشارات مختلفة. ليست إشارات انسحاب. وليست أيضاً استمراراً للنموذج الذي حكم المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة. إنها إشارات توحي بأن واشنطن تعيد تعريف معنى القوة قبل أن تعيد توزيعها.
هذا التحول لا يرتبط بالشرق الأوسط وحده. فمنذ أن تحولت الصين إلى المنافس الأول للولايات المتحدة اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً. بدأت المؤسسات الأمريكية تتحدث بلغة مختلفة. الأولوية لم تعد إدارة كل أزمة في غرب آسيا بصورة مباشرة. وإنما بناء نظام إقليمي قادر على حماية المصالح الأمريكية بأقل كلفة ممكنة. وهذا يفسر لماذا أصبحت عبارة “تقاسم الأعباء” تتكرر في الوثائق والخطابات الأمريكية أكثر من الحديث عن التدخل المباشر.
قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة قدمت صورة واضحة عن هذا الاتجاه. فالنقاش لم يقتصر على زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي أو مواجهة روسيا. بل اتسع ليشمل كيفية توزيع المسؤوليات الأمنية بين الحلفاء في مناطق مختلفة من العالم. لم يعد المطلوب من واشنطن أن تكون اللاعب الوحيد في كل ساحة. وإنما أن تقود شبكة من الشركاء القادرين على إدارة الأزمات ضمن رؤية استراتيجية واحدة.
هذه المقاربة لا تعني تراجع الاهتمام الأمريكي بغرب آسيا. على العكس. فالمنطقة ما زالت تمثل عقدة الطاقة العالمية. وممراً رئيسياً للتجارة الدولية. وساحة تتقاطع فيها مصالح الصين وروسيا وأوروبا. لكن الإدارة الأمريكية أصبحت تنظر إلى هذه الأهمية من زاوية مختلفة. فبدلاً من إدارة الإقليم عبر الانتشار العسكري الواسع. تتجه إلى بناء منظومة تعتمد على القوى الإقليمية. والممرات الاقتصادية. والتحالفات المرنة. بحيث تتحمل الدول الحليفة قسطاً أكبر من مسؤولية الاستقرار.
ضمن هذا السياق تكتسب التصريحات الأخيرة للمبعوث الرئاسي الأمريكي توم باراك أهمية خاصة. فحديثه عن تحالفات الربط الإقليمي. وعن تراجع الأهمية النسبية لمضيق هرمز مع تطور ممرات بديلة. لا يعبر فقط عن رؤية اقتصادية. وإنما يكشف عن تصور استراتيجي أوسع. تصور يقوم على تقليل قدرة أي ممر منفرد على التأثير في الاقتصاد العالمي. وربط الخليج بتركيا وآسيا الوسطى وأوروبا عبر شبكة متعددة المسارات.
إذا نجحت هذه الرؤية. فإنها ستمنح الولايات المتحدة وحلفاءها هامشاً أوسع في مواجهة الأزمات. كما ستحد من قدرة أي طرف على استخدام الجغرافيا وسيلة للضغط السياسي أو العسكري. غير أن الطريق إلى هذا الهدف ما زال مليئاً بالتحديات. فالممرات لا تُبنى بالإرادة السياسية وحدها. وإنما تحتاج إلى استقرار أمني. وشبكات نقل متكاملة. وتوافقات إقليمية معقدة.
من هنا يمكن فهم الاهتمام الأمريكي المتزايد بالعراق. فالحديث عن بغداد لم يعد يقتصر على الوجود العسكري أو مكافحة الإرهاب. وإنما أصبح يرتبط بموقعها داخل خرائط الربط الجديدة. فالعراق يمتلك موقعاً يجعل منه نقطة التقاء بين الخليج وبلاد الشام وتركيا. وإذا أضيفت إلى ذلك موارده الطبيعية وسوقه الواسعة. يصبح أحد أهم مفاتيح أي مشروع لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية في غرب آسيا.
لكن هذا البعد الاقتصادي لا يلغي البعد الأمني. فواشنطن تدرك أن تحويل العراق إلى محور إقليمي يتطلب إعادة تعريف موقعه السياسي أيضاً. وهنا تبرز إحدى أكثر القضايا حساسية في الاستراتيجية الأمريكية. إذ تشير السياسات المتراكمة إلى أن الهدف لم يعد يقتصر على احتواء النفوذ الإيراني داخل العراق. وإنما إعادة صياغة طبيعة العلاقة بين بغداد وطهران نفسها.
وفق هذه القراءة. لا يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى قطع العلاقات بين البلدين. فذلك هدف غير واقعي بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة. وإنما تتجه إلى نموذج مختلف. نموذج يقوم على أن تكون العلاقة بين العراق وإيران علاقة بين دولتين جارتين تحكمها القنوات الدبلوماسية والتجارية الرسمية. من دون الامتدادات الأمنية والسياسية التي تشكلت خلال العقود الماضية. أي علاقة أقرب إلى تلك التي تربط إيران بعدد من دول الخليج. حيث تبقى المصالح قائمة. لكن النفوذ المتبادل داخل مؤسسات الدولة يظل محدوداً.
ولا يرتبط هذا التوجه بالعراق وحده. فهو جزء من مشروع أوسع لإعادة هندسة التوازنات في غرب آسيا. لأن تقليص التشابك بين بغداد وطهران يعني من وجهة النظر الأمريكية تقليص أحد أهم المسارات التي تربط إيران بسوريا ولبنان. كما يمنح العراق فرصة للاندماج في مشاريع الربط الإقليمي التي تعمل واشنطن وشركاؤها على تطويرها.
غير أن هذا المشروع يواجه معادلة معقدة. فالعراق ليس فراغاً جيوسياسياً يمكن إعادة ترتيبه بقرار خارجي. إنه دولة تتقاطع فوق أرضها مصالح متعارضة. وتتشابك داخلها اعتبارات الأمن والاقتصاد والهوية والسياسة. ولذلك فإن نجاح أي رؤية أمريكية سيبقى مرهوناً بقدرتها على التعامل مع هذه التعقيدات. لا بتجاوزها
ان ما يمنح الاستراتيجية الأمريكية تماسكها ليس حجم القوة التي تمتلكها واشنطن. وإنما قدرتها على الربط بين الملفات التي تبدو منفصلة. فالصين ليست منافساً في المحيط الهادئ فقط. وروسيا ليست خصماً أوروبياً فحسب. وإيران ليست تحدياً يقتصر على الخليج. فهذه الملفات تلتقي جميعها عند سؤال واحد. كيف يمكن للولايات المتحدة أن تحافظ على موقعها في النظام الدولي من دون أن تستنزف مواردها في إدارة كل أزمة بصورة مباشرة.
ضمن هذه الرؤية. تصبح تركيا أكثر من حليف داخل حلف شمال الأطلسي. فهي الدولة التي تجمع بين الموقع الجغرافي. والقدرة العسكرية. والقاعدة الصناعية. وشبكة العلاقات التي تمتد من البحر الأسود إلى القوقاز وآسيا الوسطى والشرق الأوسط. لذلك تنظر واشنطن إلى أنقرة باعتبارها شريكاً قادراً على تحمل جزء من مسؤولية إدارة التوازنات في غرب آسيا. وليس مجرد طرف يتلقى المظلة الأمنية الأمريكية.
هذا لا يعني أن العلاقة بين الطرفين خالية من التباينات. فالخلافات حول منظومة إس أربعمئة. والملف الكردي. وبعض تفاصيل السياسة السورية. ما زالت قائمة. لكن القراءة الأمريكية الحالية تبدو أكثر براغماتية. فهي تركز على ما يمكن أن تؤديه تركيا داخل النظام الإقليمي الجديد أكثر من تركيزها على ملفات الخلاف التقليدية.
الخليج بدوره دخل هذه المعادلة من زاوية مختلفة. فقد أصبح شريكاً في بناء الممرات الاقتصادية. والاستثمار في البنية التحتية. وتمويل مشاريع الربط التي تسعى إلى وصل الخليج ببلاد الشام وتركيا وأوروبا. ولم يعد دوره مقتصراً على إنتاج الطاقة أو استضافة القواعد العسكرية. فالاقتصاد أصبح جزءاً من منظومة الأمن. كما أصبحت الموانئ وشبكات النقل أدوات لا تقل أهمية عن القواعد الجوية والبحرية.
أما مصر. فإن موقعها على قناة السويس يمنحها ثقلاً يصعب تجاوزه في أي مشروع يتعلق بالتجارة العالمية. ولذلك فإن الحديث عن ممرات جديدة لا يعني إلغاء دور القناة. وإنما إدخالها في شبكة أوسع من طرق النقل البرية والبحرية. وهو ما يفسر حرص القاهرة على متابعة مشاريع الربط الإقليمي بوصفها جزءاً من مستقبلها الاقتصادي والاستراتيجي.
في المقابل. لا تنظر الصين إلى هذه التحركات بوصفها مشاريع تنموية فقط. فالحزام والطريق يمثل بالنسبة لبكين أحد أهم أدواتها لبناء نفوذ عالمي طويل الأمد. وأي ممر جديد يربط آسيا بأوروبا خارج المنظومة التي تعمل الصين على تطويرها سيؤثر في حساباتها الاقتصادية والسياسية. ولهذا تسعى إلى الحفاظ على حضورها في موانئ الخليج. واستثماراتها في المنطقة. وشراكاتها مع عدد من الدول الإقليمية. بما يمنع تشكل منظومة مغلقة تقودها واشنطن وحدها.
روسيا تقرأ المشهد من زاوية مختلفة. فهي تدرك أن تراجع نفوذها في سوريا أو خسارة موقعها في شرق المتوسط لن يكون حدثاً محلياً. وإنما سيؤثر في موقعها داخل النظام الدولي كله. لذلك تحاول الحفاظ على أوراقها في سوريا. وتعزيز تعاونها مع إيران. ومراقبة أي ترتيبات جديدة قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الإقليم.
وفي قلب هذا التنافس تبرز سوريا باعتبارها أكثر من ساحة نزاع. فهي نقطة التقاء للممرات البرية. وحدود تتصل بالعراق وتركيا ولبنان والأردن. كما أنها تمثل المساحة التي تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والروسية والتركية والإيرانية والإسرائيلية والعربية. ولهذا يصعب تصور نجاح أي مشروع لإعادة تشكيل غرب آسيا من دون تحديد شكل الدولة السورية المقبلة. وطبيعة منظومتها الأمنية. وموقعها داخل شبكات النقل والطاقة.
ومن هذه الزاوية أيضاً يمكن فهم الاهتمام الأمريكي المتزايد بالعراق. فإعادة صياغة العلاقة بين بغداد وطهران لا تستهدف العراق بوصفه حالة منفصلة. وإنما تأتي ضمن تصور أشمل يسعى إلى إعادة ترتيب الامتداد الجيوسياسي الإيراني من الخليج حتى شرق المتوسط. وإذا نجحت واشنطن في تحويل العراق إلى عقدة اقتصادية وسياسية ترتبط أكثر بفضائها العربي والتركي. فإن ذلك سيؤثر تلقائياً في حركة الممرات. وفي خطوط الإمداد. وفي طبيعة التوازنات التي حكمت المنطقة خلال العقدين الماضيين.
إلا أن هذا المسار لا يخلو من تحديات كبيرة. فإيران لا تنظر إلى العراق بوصفه دولة مجاورة فقط. وإنما باعتباره جزءاً أساسياً من عمقها الاستراتيجي. كما أن شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية التي تشكلت بين البلدين تجعل أي محاولة لإعادة تعريف هذه العلاقة عملية معقدة تحتاج إلى وقت طويل وإلى توازنات داخلية وإقليمية دقيقة.
وتبرز هنا معادلة الردع بوصفها أحد أهم العوامل التي ستحدد مستقبل المشروع الأمريكي. فالحرب الأخيرة أظهرت أن إيران ما زالت تمتلك قدرة على التأثير في أكثر من ساحة. سواء عبر موقعها الجغرافي المطل على مضيق هرمز. أو عبر شبكة حلفائها في العراق ولبنان واليمن. وقد كشفت التطورات في البحر الأحمر وباب المندب أن أمن التجارة العالمية لم يعد مرتبطاً بمضيق واحد. بل بمنظومة مترابطة تستطيع القوى الإقليمية التأثير فيها بدرجات متفاوتة. وهذا ما يفرض على واشنطن التعامل مع بيئة أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل سنوات.
لهذا تبدو الاستراتيجية الأمريكية أقرب إلى محاولة لإعادة هندسة التوازنات منها إلى محاولة فرض توازن جديد بالقوة العسكرية وحدها. فهي تسعى إلى بناء شبكة من الشركاء. والممرات. والمصالح الاقتصادية. بحيث يصبح الحفاظ على الاستقرار مسؤولية جماعية. وفي الوقت نفسه تحاول الحد من قدرة خصومها على استخدام الجغرافيا أو الحلفاء أو الممرات البحرية كورقة ضغط استراتيجية.
غير أن نجاح هذه الرؤية سيبقى مرتبطاً بسؤال لم تتضح إجابته بعد. هل تمتلك الولايات المتحدة الوقت والموارد الكافية لإنجاز هذا التحول قبل أن تفرض الصين وروسيا والقوى الإقليمية معادلات مختلفة على الأرض.

