حليم سلمان – كاتب سياسي عراقي
في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق، أصبح الاستثمار أحد أهم المسارات القادرة على تحريك عجلة التنمية وتوفير فرص العمل وتعزيز الإيرادات غير النفطية. ومن هذا المنطلق، فإن أي قرار أو موقف يسهم في تعزيز الاستقرار الاستثماري يجب أن يُنظر إليه بوصفه خطوة في الاتجاه الصحيح.
يمثل قرار التراجع عن التغيير في رئاسة الهيئة الوطنية للاستثمار رسالة إيجابية إلى الأوساط الاقتصادية والاستثمارية، مفادها أن الدولة حريصة على استقرار المؤسسات المعنية بالاستثمار وعلى عدم إرباك المشاريع القائمة أو التأثير في ثقة المستثمرين. وهذه خطوة تستحق التقدير، لكنها وحدها قد لا تكون كافية في المرحلة الحالية.
فالاستثمار لا يحتاج إلى الاستقرار الإداري فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى بيئة سياسية وتشريعية مستقرة، وإلى خطاب عام يبعث على الثقة والاطمئنان. وفي هذا السياق تبرز المخاوف من الاستجوابات البرلمانية المتكررة التي يجري الحديث عنها والمتعلقة بالهيئة الوطنية للاستثمار، والتي قد تُفسر خارجياً على أنها مؤشر على وجود اضطراب أو صراع مؤسسي داخل أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد.
ولا يتعلق الأمر هنا بحق مجلس النواب في ممارسة دوره الرقابي، فهذا حق دستوري لا جدال فيه، بل يتعلق بضرورة الموازنة بين الرقابة المشروعة وبين الحفاظ على سمعة البيئة الاستثمارية العراقية في مرحلة تتنافس فيها الدول على جذب رؤوس الأموال والمشاريع الكبرى.
ومن أجل حماية المكتسبات الاستثمارية المتحققة، تبدو الحاجة ملحة إلى معالجة هذا الملف بروح مؤسساتية هادئة تأخذ بنظر الاعتبار المصلحة الوطنية العليا. ويمكن أن يتحقق ذلك عبر التنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لضمان أن تكون أي إجراءات رقابية جزءاً من عملية إصلاحية مدروسة لا سبباً في إثارة القلق لدى المستثمرين.
كما أن إحالة الملاحظات والأسئلة المطروحة إلى الجهات الرقابية المختصة، وفي مقدمتها هيئة النزاهة، قد يوفر مساراً مهنياً وقانونياً للتدقيق والتحقق، ويمنح الرأي العام صورة أكثر وضوحاً وموضوعية بعيداً عن الضجيج السياسي والإعلامي.
ويبقى المبدأ الأهم هو الحفاظ على استقلالية الهيئة الوطنية للاستثمار وتمكينها من أداء مهامها بعيداً عن الضغوط والتجاذبات، لأن نجاحها لا يمثل نجاح مؤسسة بعينها، بل نجاحاً لسياسة اقتصادية يحتاجها العراق اليوم أكثر من أي وقت مضى.
إن المستثمر، سواء كان محلياً أم أجنبياً، يبحث أولاً عن الاستقرار والوضوح والثقة. وكلما نجحت الدولة في ترسيخ هذه العناصر، ازدادت قدرتها على جذب الاستثمارات وتحويلها إلى مشاريع حقيقية تسهم في التنمية وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى الخدمات.
لذلك فإن المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً وطنياً موحداً يضع مصلحة الاقتصاد العراقي فوق كل اعتبار، ويؤكد أن الاستثمار ليس ملفاً إدارياً أو سياسياً فحسب، بل مشروعاً وطنياً يرتبط بمستقبل البلاد وأجيالها القادمة.

